‏أدب المجالس .. وأصحاب الأخلاق الرفيعة

بقلم / حمود الصهيبي  

عندما وصلتُ إحدى المجالس، لم أكن متأخراً، بل وصلت قبل الوقت المحدد، ويمكنني القول إنني جئتُ مبكراً. ولكني تفاجأتُ بأن الذين وصلوا قبلي، كانوا يتسابقون على أولوية الجلوس. وقفتُ برهة من الوقت، وأديتُ التحية للحاضرين بصوتي الجهوري، ثم تلفّتُ حولي، ووجدتُ مكاناً في أقصى المجلس. لاحظتُ بأن هنالك من هم أكبر سناً مني، وآخرين أصغر سناً. جلستُ، وأنا أنظر إلى المكان الذي يجب أن أكون فيه. صدمتني بلاهة المضيف، وتجاهل الضيوف المتعمد لفسح المكان لمن هم أكبر منهم.
حضر أحدهم ومعه غلامان، أحدهما أو كلاهما لم يبلغا الحلم بعد، . لقد أيقنتُ أن الشيخة في نظر هؤلاء هي ألا يجلس واحدهم إلا في صدر المجلس وعلى المراكي، ومن هم أكبر منهم وضيوفهم يجب أن يكونوا في طرف باب مجلسك. هذا فهم والد الطفل للشيخة، وهو مفهوم خاطئ. أنا لا ألوم الطفل الذي حرموه أن يعيش طفولته من دون ضغوط الشيخة الزائفة، وكذلك فأنا لا ألوم والده الذي تربّى على كذبة وصدقها، ولا يزال يكرسها في أبنائه؛ وحتى إنني لا ألوم الكبار الذين يرونها حقاً لهم. إنني ألوم المجتمع الذي يسكت على هذهِ المفاهيم التي تتكاثر مع تكاثر المرضى. إن الكلام عن أدب المجالس يطول، وهناك كثير من الحكايات التي تعلي من شأن احترام الآخر في المجلس، وتحكي إحدى القصص ما يلي:
أتى الشيخ محروت بن فهد شيخ مشائخ عنزة ، إلى الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله ، وكان الدويش في المجلس ، وقف الشيخ محروت برهة من الزمن، فقام الدويش وأجلسه مكانه، ولم يكن يعرف أحدهما الآخر. وعندما انفضّ المجلس، ذهب الشيخ محروت إلى الدويش وسأله عن اسمه، فأجابه: “أنا مسلم من المسلمين”. فناشده محروت بالله أن يخبره عن اسمه. عرّفه الدويش باسمه، وبالمثل فقد عرّف محروت باسمه قائلاً: “أنا الشيخ محروت بن فهد شيخ مشائخ عنزه في العراق “، وأعطاه رقمه، وقال له: “أي شي تحتاجه في العراق، فعلى الرحب والسعة. هذا رقمي. احتفظ به”.
كل ذلك كان رداً على أدبه في إفساح المجلس للضيف. وحصل أن دخل أحد من قبيلة مطير السجن، وحكم عليه. أتى والد السجين إلى الدويش يستنجده، فكتب الدويش إلى محروت رسالة وأعطاها لوالد السجين. وعندما وصل الأب إلى محروت، استقبله خير استقبال، وقرأ الرسالة، وقال: “مرحباً بالمرسل والرسالة وحاملها”. وأمر خدّامه بأن يجهزوا وليمة للضيف. وأخبر السائق بأن يحجز سيارة من نوع مرسيدس، ومن ثم ذهب. وبعد الظهر أتت السيارة، وفيها السجين، الذي وجد والده أمامه. لقد أكرمهم الشيخ محروت، ومع ذلك قال: “ومع كل ما فعلت، فإنني لم أفِ ذلك الرجل حقه بسبب فسحه لي مجلسه”.
أمر الله المسلم أن يفسح لأخيه، فأدب المؤمنين في مجالسهم يكمن في أن يفسح أحدهم للآخر، فمن فسح لأخيه وسع الله له وفسح له في دنياه وآخرته، فالتفسح والتوسيع للحضور في المجالس من الأخلاق الرفيعة، واحتساب الأجر طاعة لله ورسوله. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، «سورة المجادلة: الآية 11).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى